ابن ميثم البحراني
226
شرح نهج البلاغة
محبّته للَّه وإقباله عليه واعترافه الحقّ بالآية ، وذلك أنّ الشكر حال للقلب يثمرها العلم بالمشكور وهو في حقّ اللَّه أن يعلم أنّه لا منعم سواه ، وأنّ كلّ منعم يقال في العرف فهو واسطة مسخّرة من نعمته . وتلك الحال تثمر العمل بالجوارح . الثالث : الورع وهو لزوم الأعمال الجميلة والوقوف على حدود عن التوّرط في محارمه وهو ملكة تحت العفّة ، وقد علمت أنّ الوقوف على التوّرط في المحارم ولزوم الأعمال الجميلة لازمة للالتفات عن محابّ الدنيا ولذّاتها المنهىّ عن الميل إليها . وهذا التفسير منه عليه السّلام مستلزم للأمر به . وقوله : بعد ذلك : فإن عزب عنكم . إلى آخره يحتمل معنيين : أحدهما : وهو الظاهر أنّه إن بعد عليكم وشقّ استجماع هذه الأمور الثلاثة فالزموا منها الورع والشكر . وكأنّه رخّص لهم في طول الأمل ، وذلك أنّه قد يتصوّر طوله فيما ينبغي من عمارة الأرض لغرض الآخرة ، ولأنّ قصر الأمل لا يصدر إلَّا عن غلبة الخوف من اللَّه تعالى على القلب والإعراض بالكلَّيّة عن الدنيا وذلك في غاية الصعوبة فلذلك نبّه على لزوم الشكر والورع ورخّص في طول الأمل ، وفسّر الورع بالصبر إذ كان لازما للورع ، وهما تحت ملكة العفّة ، ثمّ شجّعهم بذكر الغلب عن مقاومة الهوى ، ونبّهم بذكر النسيان على لزوم التذكَّر . الثاني : يحتمل أن يكون لمّا فسّر الزهد باللوازم الثلاثة في معرض الأمر بلزومها قال بعدها : فإن صعب عليكم لزوم الشكر والثناء للَّه ولزوم الأعمال الجميلة فاعدلوا إلى أمور أسهل منها . فرخّص لهم في طول الأمل لما ذكرناه ، ثمّ في التذكَّر لنعم اللَّه بحيث لا ينسى بالكلَّيّة ويلتفت عنها عوضا عن دوام الحمد والثناء ، ثمّ في الصبر عند المحارم وعند الانقهار لغلبة دواعي الشيطان عوضا من لزوم الأعمال الجميلة عندها فإنّ الصبر عند شرب الخمر مثلا عند حضورها أهون على الطبع من الصوم عن ساير المباحات حينئذ ولزوم ساير الأعمال الجميلة . وقوله : فقد أعذر . إلى آخره . تأكيد لما سبق من أمره بالزهد ، وجذب إليه . وأشار بالحجج إلى الرسل لقوله تعالى